AB1-02

 مقدمة المؤلف

لقد منَّ الله سبحانه وتعالى علي خلال فترة إقامتي في أمريكا، بأن أتاح لي التعرف على العديد من الإخوة المسلمين الأمريكيين بحكم الجوار والمشاركة في العديد من المناسبات والنشاطات. وأحمده سبحانه وأثني عليه بما هو أهله لهذه المنة العظيمة التي أفادتني كثيرا وزادتني معرفةً بديني وحرصاً عليه، مقارنة بما كنت عليه قبل ذلك. ومَثَلي في ذلك مثل كثير من المسلمين الذين كان في قدومهم لتلك البلاد خير كثير لدينهم حيث أرادوا به ابتداء طلب أمر دنياهم مما قد يكون مباحا على كل حال. وقد جعل اللهُ في هؤلاء المسلمين -خاصة الداخلين فيه من ملل أخرى- الوسيلةَ التي يهتدون بها إلى الخيرات.

ورغم أن هؤلاء المذكورين في هذه القصص أغلبهم أناس عاديون ضمن الجالية المسلمة في أمريكا ، إلا أني أرى أن فيما قاموا به أثرا عظيما على أنفسهم، و على من حولهم، وجدير بمن شهده مثلي أن يوثقه وينقله لغيرهم من المسلمين. إن مثل هذا الأثر العجيب الذي يحدثه هذا الدين في نفس معتنقه هو ما يدهش ويخيف الكثير من أهل الأديان الأخرى هناك.  فعلى سبيل المثال: الدخول في هذا الدين هو الذي يقلب سلوك أعتى المجرمين وأكثرهم وحشية في سجون أمريكا إلى أناس هم الأكثر التزاما وخلقا؛ وهذا ما دعا الإدارات الأمنية هناك إلى الموافقة على تعيين أئمة للمساجين المسلمين في السجون هناك و دعمهم  ولا تكاد تخلو مدينة في طول أمريكا و عرضها من مثل هؤلاء المسلمين الجدد الذين يمثلون بفضل الله القدوة الحسنة للكثير من المسلمين القادمين لتلك البلاد ، بالإضافة إلى دعوتهم لغيرهم إلى الإسلام.

عوداً إلى بدءٍ: فعندما كنت مدرسا للرياضيات في إحدى المدارس الأمريكية، كانت معي في القسم مدرسة يهودية اسمها “سندي”.  وقد اعتاد المدرسون في قسم الرياضيات أن يجتمعوا في غداء مشترك في نهاية كل فصل دراسي، يكون فرصة للارتياح من عناء التعب والجهد المبذول خلال الفصل.  وكان طعام الغداء، الذي يطبخ في المدرسة، يتكون من لحم البقر المفروم، بالإضافة إلى بعض المكونات الأخرى، ولذا لم أكن أشاركهم في طعامهم، إلا مرة واحدة عندما أعلنت أنني سوف أشارك على أن أقوم بإحضار اللحم بنفسي، فوافقوا بترحيب من سعد بأن يُكفى المؤونة. وخلال الغداء قلت لسندي: “ألست محظوظة أن تجدي طعاما يحل لك أكله هذه المرة؟” وذلك لمعرفتي أن اليهود لا يأكلون طعام النصارى الذين لا يهتمون بذبحه حسب شرعهم.  ولكنها أجابتني:” أنا لا أهتم بهذه الأمور، حتى أني آكل لحم الخنزير، فأنا يهودية سيئة” وعند ذلك لم أواصل الحديث معها في هذا الموضوع.

 وبحكم اهتمامي بالعقارات في تلك الفترة، فقد علمت أن هذه المرأة تعمل في إدارة مؤسسة عقارية يملكها زوجها الذي يعمل في وزارة الدفاع الأمريكية( البنتاغون) في العاصمة واشنطن، وبالتالي فإنه لا يستطيع إدارتها بنفسه.  لذلك سألتها عن سبب عدم حضورها للنشاطات الرياضية والفنية التي تقيمها المدرسة مساءاً، حيث لم أرها أبدا في تلك النشاطات رغم أن المدرسة تلزم المدرسين بالمشاركة فيها.  فقالت بكل جرأة: “إن المدرسة لا تستطيع إجباري على المشاركة في هذه النشاطات لأني أتطوع بمهمة أخرى، فأنا آخذ أبنائي وأبناء جيراني (اليهود) إلى المدرسة اليهودية ثلاث مرات في الأسبوع، وأنا بالتالي معفاة من المشاركة في النشاط”. وواصلت حديثها :  “وبالإضافة إلى ذلك فإني أقوم بتوصيلهم إلى جميع النشاطات الدينية المعتادة ، لقد تطوعت لهذه المهمة منذ عدة سنوات”.

وقد دهشت جداً من هذه المرأة، فهي مدرسة رياضيات منتظمة لا تخرج من عملها إلا بعد الثالثة والنصف، ويستغرق منها الطريق من البيت إلى المدرسة حوالي ساعة إلا ربعاً صباحا، ومثلها للعودة.  كما تقوم بإدارة مؤسسة زوجها العقارية، كما أنها مسؤولة عن عائلتها  وأطفالها وحياتها الخاصة.  ومع هذه المشاغل كلها فإنها تتطوع لمساعدة المدرسة اليهودية بإيصال الأطفال إليها، ثم بعد ذلك ترى نفسها مقصرة ؛ أو”يهودية سيئة” بتعبيرها هي. ولهذا دعاني تفكيري في حال هذه المرأة أن أنظر في أمر نفسي والعديد ممن حولي من المسلمين ممن نظن أننا ملتزمون بينما لا نعمل إلا أقل القليل لخدمة هذا الدين؛ هذا مع الفارق الكبير الذي يفصل بين الحق والباطل بيننا وبينهم. 

ختاماً بعد أن أشكر الله سبحانه و تعالى أن وفقني لكتابة هذه الصفحات أسأل الله سبحانه أن ينفع بها كل من ساهم فيها أو اطلع عليها، و أقدم شكري لزوجتي صوفيا أحمد التي ساعدتني في كل ما قمت به رغم تقصيري الشديد، كما أتقدم بالشكر للدكتور(محمد إلياس) , و الأخ الفاضل (محمد الأمين الدود) و الأخ (إبراهيم بن أحمد هاشم) ، و الأخ (محمد زاهد الإسلام) من الجامعة الإسلامية ، الذين ساعدوني كثيرا بجهودهم ونصائحهم القيمة خلال إعداد هذا العمل ، سائلاً المولى عز وجل أن يجعله عملا صالحا مقبولا.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

امتـياز أحمد

الماجستير في الفلسفة (لندن)

Back to Contents