AB1-03

عبـدالله (Abdullah)

( جندي أمريكي هدي إلى صراط مستقيم )

 

انضم “جاسون” ( عبد الله فيما بعد ) وهـو أمريكي من أصل أفريقي -بعد حصوله على الثانوية العامة – إلى الجيش الأمريكي ، و تعلم هناك بعض المهارات الفنية، وأصبح يعمل فيما بعد فنيا في ورشة لإصلاح الأجهزة الإلكترونية.

لقد كانت قصة إسلام عبد الله غريبة فعلا.  ففي حرب الخليج الثانية كان ضمن الجنود الأمريكان الذين قدموا للسعودية وقد كانت إقامته في المنطقة الشرقية. وفي يوم من الأيام دخل في أحد الأسواق المحلية في مدينة الخبر، و أراد شراء سلعة معينة من أحد المحلات ، وبعد ما اتفق مع البائع على السعر، وهم بدفع المبلغ ، ارتفع صوت الأذان من مسجد قريب ، وعندئذ قال هذا البائع :  “خلاص”  معبرا عن إيقاف البيع ، ثم أغلق الدكان ، وتوجه مسرعا إلى المسجد ،  وسط ذهول عبد الله ودهشته العظيمة.  فما الذي يحمل هذا الرجل على رفض ثمن السلعة بعد أن اتفقا عليه ؟!!  فحيث كان يعيش -في أمريكا- لا يفرط المرء في أي فرصة للحصول على المال ، فما بال هذا البائع يرفض أن يقبض الثمن ، وأي دينٍ هذا الذي تفوق أولويته الكسب في عين هذا الرجل؟  

وكانت هذه الحادثة بداية اهتمامه بالإسلام، حيث اجتهد أن يعرف كل ما يستطيع عن هذا الدين. وأخذ يقرأ عنه كل ما يعطى له حتى شرح الله صدره للإسلام ، وقرر أن يدخل فيه بعد أن علم أنه الدين الحق، وأن الخير كله فيه. وعندما عاد إلى أمريكا حيث استقر في نيويورك (New York)، أخذ يتعلم مبادئ الإسلام على يد بعض الأخوة هناك، وأصبح يستطيع أن يؤدي العبادات، ويقرأ القرآن، ملتزما بأوامر الإسلام ومجتنبا لنواهيه.

وقد تعرفت على عبد الله عند انتقاله إلى مدينتنا حيث اختار السكن في مكان قريب من المسجد الذي نصلي فيه، وأخذ يتردد عليه في غالب الأوقات. وقد كنت آنذاك متطوعا لإدارة أمور المسجد، وهي مهمة يعرف من مارسها أنها مضنية. وقد حدثت في البداية بيننا بعض المواقف غير المحمودة، ولكن لأن كلاً منا كان حريصا على المصلحة العامة لم تؤثر هذه الخلافات على الأخوّة في الله والتعاون على البر و التقوى، وتلاشت مع الزمن. والحق أنه أمر مزعج جدا أن تختلف مع امرئ تقابله عدة مرات في اليوم في بيت من بيوت الله.  ولعل ذكر بعض الأمثلة يوضح ما أعنيه.

لمّا لاحظت حرص عبد الله على أداء الصلوات الخمس في المسجد و مواظبته ونشاطاته الدعوية  طلبت منه أن يتولى الأذان فيه. ولكنه رد بأنه سوف يؤديه في الشارع خارج المسجد لأن هذا هو الأصل والمقصود من الأذان. وكنا في تلك الفترة نقوم بالإجراءات الرسمية مع بلدية المدينة ، للحصول على الترخيص للمبنى كمسجد لأهل السنة والجماعة.  وكانت البلدية قد دعت لجلسة عامة لمناقشة هذا الموضوع يحضرها أهل الحي الذي يقع فيه المسجد، ويبدون رأيهم في القضية.  فأخبرته أن أداء الآذان خارج المسجد وفي وسط الشارع سوف يثير علينا بعض الحساسيات، وربما تؤثر على قبول طلبنا للرخصة، خصوصا وأن العديد ممن حولنا لا يرغبون في وجود مكان للمسلمين في حيّهم. غير أن عبد الله كان مصّرًّا على رأيه بأن الأذان يجب أن يؤدي خارج المسجد لكي يحصل الغرض الشرعي منه وهو نداء الناس للصلاة. فأخبرته أنه يجب علينا أن نتحلى بشيء من الحيطة والحكمة في التعامل مع من حولنا من الجيران غير المسلمين، وإن أدى ذلك إلى بعض التحفظات ، حتى لا نثير عداوة هؤلاء القوم.  فالذي يجب علينا التركيز على دعوة العديد من إخوتنا المسلمين الذين لا يعرفون من الإسلام إلا القليل ولا يلتزمون به، وحثهم على الالتزام بشرائع الدين بدلا من الوقوع في مشاكل مع من حولنا من غير المسلمين. غير أن كلماتي لم تجعله يغير موقفه قيد أنملة، ورفض أن يرفع الأذان من داخل المسجد. ولذلك لم أجد بُدّا من  أن أخبره بأني لا أستطيع أن أجعله يؤذن في المسجد فاضطررت إلى أن أوكل الأذان إلى غيره.  وكان مما قلته له: أنا الذي سيواجه سكان الحي واللجنة المختصة بترخيص منشآت  المدينة خلال الاجتماعات القادمة، بينما تأتي أنت وبعض الإخوة لتؤدوا الصلاة ثم تنصرفون آمنين خالية قلوبكم من الهموم والمشاكل التي تواجهني مع حكومة المدينة. وحسب علمي فإنه لا يوجد في أمريكا الشمالية كلها إلا مسجد واحد يرفع الآذان من مكبرات الصوت بحيث يسمعه جميع الجيران من حوله. لكن هذا لم يحصل إلا بعد أن حصلت إدارة المسجد تصريح بذلك عبر إجراءات طويلة  انتهت بحكم صادر من المحكمة بهذا الصدد، وهذا المسجد هو الواقع في مدينة ديربون (Dearborn) في ولاية ميتشجن (Michagan) حيث إن أغلب سكان الحي المحيط بالمسجد هم من المسلمين القادمين من اليمن.

وحدث ذات مرة أن طلب عبد الله مني مفتاحا للمسجد، فأجبته بأني لا أستطيع لأن العدد محدود ، ونسخ مفاتيح جديدة سوف يزيد من تكلفة التأمين على مباني المسجد. كما أننا كنا لانريد زيادة عدد النسخ لمفاتيح المسجد، فلم يرد عبد الله على ذلك بل ذهب وتركني. ومرة أتى برجل معه وطلب مني أن أسمح له بالمبيت في المسجد قائلا إنه ضيفه من ولاية أخرى. فأجبته: لم لا تستضيفه في بيتك؟ فأجاب بأن بيته صغير ، ولا يتسع لضيفه ، خصوصا أنه متزوج، فقلت له : إني سوف استضيفه في بيتي حيث أستطيع أن أجد له مكانا فيه، فإذا لم يناسبه ذلك فأنا على استعداد لإسكانه في فندق ودفع التكلفة عنه. غير أن عبد الله تركني بغضب غير مقتنع بما قلت، لأنه كان يريد أن تسير الأمور حسب ما يراه هو مناسبا . بينما كنت كمسؤول عن المسجد حريصا على عدم التفريط فيما أراه ضروريا للحفاظ على المسجد، والاهتمام بشؤونه . حيث إن السماح للبعض بالمبيت في المسجد يعني أنك لا تستطيع رفض أيِّ أحد يأتي طالبا ذلك ، وربما تحدث بعض الأمور التي لا تحمد عقباها. وقد حدث فيما سبق شيء من هذا. ونظرا لمواقفي هذه فقد غضب عبد الله مني، واشتكى من “اضطهادي” له لعدد من الأخوة. ولكن رغم كل ذلك فقد بقي محافظا على الصلوات في المسجد مع الجماعة لا يرده عنها أي خلاف مع أحد.

ومع مرور الأيام حفظ عبد الله قدرا لا بأس به من القرآن، وكانت تلاوته عذبة ومؤثرة، كما كان يتفقه في دينه ويقرأ كثيرا. وذات يوم خاطبته في أن يؤم الأخوة في الصلاة حيث إنه لا يوجد للمسجد إمام راتب، فوافق. وكان كثيرا  ما يقرأ في الصلاة  من جديد حفظه، فتكثر أخطاؤه مما ضايق بعض الأخوة في جماعة المسجد، فأخبروني بذلك، وطلبت منه أن لا يقرأ سورة في الصلاة حتى يحكم حفظها تماما. واقترحت عليه أن يسمعني السورة قبل أن يقرأها في الصلاة، فوافق على ما قلت له وفرح به.  ومع الوقت، تحسنت قراءته كثيرا وقلّت أخطاؤه، كما ساهم ذلك في إزالة ما علق بيني وبينه من سوء فهم فيما سبق.

وقد قاده حرصه على السنة -بفضل الله- إلى الخير، رغم كون بعض اجتهاداته في البداية غير دقيقة. فقد كان دأبه أنه كلما تعلم سنة أو قرأ شيئا من سيرة الرسول r فإنه يسارع  إلى تطبيقه دون خوف أو حياء من أحد.  من ذلك أنه كان عندما يؤم الجماعة يقرأ في الصلوات الجهرية من سور طويلة ثم يتبعها بسورة الإخلاص، فكانت الصلاة تطول كثيرا على الجماعة، خصوصا صلاة العشاء التي تكون في الصيف في وقت متأخر جدا. فثقل ذلك على بعض جماعة المسجد، فعدت إلى مخاطبته مرة أخرى ناقلا  له ما أراه، وسألته ما الداعي لتطويل القراءة مع قراءة سورة الإخلاص بعدها ؟! فذكر لي: أنه يفعل ذلك اقتداء بالصحابي الذي ورد في السنة أنه يفعل ذلك.  فقلت له: بإمكانك أن تكتفي بقراءتها في الركعة الثانية، فقال: إني قرأت في الحديث أنه كان يفعل ذلك في كلتا الركعتين إضافة إلى ما يقرؤه من القرءان قبلها ؛ ولم يستجب لطلبي واستمر في فعل ما يراه صحيحا.

وذات مرة دخلت إلى المسجد لصلاة الفجر بعد الأذان، فوجدته مضطجعاًَ على الأرض ، على جنبه الأيمن ، متوسدا يده اليمنى، فقلقت عليه واقتربت منه مستفسرا إن كان مريضا أو متعبا ؟ فأجاب بأنه بخير وعافية، وإنما هو يطبق سنة الرسول r حيث ورد أنه يضطجع على جنبه الأيمن بين الأذان والإقامة في صلاة الصبح.

أما سلوكه مع عائلته فكان مثالا يحتذى به. فقد أسلمت زوجته وأختاها، كما كان يربي أولاده على قراءة القرآن وأداء الصلاة في وقتها، وكان يتعاهد أكبر أبنائه ذي السبع السنوات ويحفّظه القرءان حتى حفظ قدرا كبيرا من قصار السور. كما كان يحضره معه للمسجد لأداء الصلوات حتى صلاة الفجر، سواء كان ذلك في عز الشتاء حيث البرد القارس والثلوج، أو وسط الصيف حيث تكون الصلاة في وقت مبكر جدا ، ثم يجلس مع ابنه بعد الصلاة ويعلمه القرآن. ولا أعرف أحدا من المسلمين كان يحضر ابنا له في مثل عُمُر ابن عبد الله لصلاة الفجر في أشد أوقات البرد والعواصف الثلجية. وكنت إذا رأيت هذا الفتى الصغير، رأيت فيه الخلق والأدب والالتزام الذي يندر أن تراه في الأطفال، بل لعله يستحيل في أطفال ولدوا ونشأوا في مثل هذه البلاد الكافرة مع وجود التأثيرات السلبية من إعلام ومدارس وغيرها. كما كانت تلاوة هذا الصغير للقرآن جميلة جدا مثل والده.

وفيما بعد أصبح عبد الله  مسؤولا عن الصلاة في المسجد كما حصل على نسخة من المفاتيح له. ورأيت أنه يمكن أن يخطب بالناس يوم الجمعة، حيث أن اتصاله ببعض الإخوة ، وتعلمه منهم ، جعله لا يقل عن كثير ممن يتصدى لخطبة يوم الجمعة في مساجد المسلمين هناك، إن لم يكن أفضل من كثير منهم.  ولعل من عايش أوضاع المسلمين هناك يعرف الكثير من النماذج التي تَدَّعِي العلم وتُزَاحِم على مناصب القيادة والإمامة هناك ، وهي بين الجهل المطبق أو لوثة البدع والأهواء، وسلاحها في ذلك مجرد فصاحة اللسان وتزويق الكلام، بينما ينزوي الكثير من الأخوة ممن يمكنهم سد الثغرات بحجة عدم الكفاءة ، وأنهم ليسوا أفضل من يقوم بهذه المهام، جاهلين أن هذا التورع هو أسوأ من تحمل المسؤولية وإن حدث فيها بعض التقصير، لأن نتيجته هو تصدي الجهلاء وأهل الأهواء لأمور المسلمين.

 وعندما فاتحت عبد الله  بالأمر رفض الإجابة معتذرا بقلة علمه، ولكنه بعد إلحاح مني قبل على مضض، وقام بإعداد خطبة جيدة وألقاها بأسلوب جميل لاقت استحسان الناس. وفيما بعد قمنا بتكليفه بإلقاء خطبة الجمعة مرة في الشهر في مسجده ، ومرة ثانية في مسجد آخر قريب كنا نتولى إدارته. وكان يتطوع لهذا العمل بكل جد وإخلاص ونشاط. ولم يطل بي الأمر حتى جاءني العديد من الأخوة الذين يصلون في المسجد كل منهم يطلب أن يكون الأخ عبد الله خطيبا ثابتا في مسجدهم. فقد كانوا يحبون الاستماع إلى خطبته التي تعتمد في موضوعاتها على الدليل من الكتاب والسنة، كما كان صوته الرخيم وتلاوته العذبة تجذبهم إليه. وكنا نجمع من التبرعات في اليوم الذي يخطب فيه فوق ما كنا نجمع في الأيام الأخرى، وهذا والله أعلم من علامات القبول والتوفيق له.

وقد كان من عادتي في المسجد أن أُعَرِّف بمن يقوم بالخطبة فيه إن لم يكن معروفا من قبل، وهذه أول مرة يخطب فيها في مسجدنا. وعندما عرفت المصلين به ، بعد أول خطبة جمعة له ذكرت في كلمتي كيف أسلم ، وتحدثت عن حرصه ، والتزامه ، وسلوك ابنه، وكيف أنه يحضر مع أبيه كل يوم لصلاة الفجر. وكان ذلك اجتهادا مني لتعريف جماعة المسجد بخطيبهم، غير أن ذلك كان له أثر سيئ على نفسه، حيث غادر بصمت . ثم أبلغني أحد الأخوة فيما بعد أنه تضايق جدا من ذلك، لأنه اعتبره من الثناء ؛ وثناء الرجل على أخيه في وجهه وأمام الملأ أمر قد نهى  رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. فأخبرته أنه يجب عليه أن ينظر في الحديث الآخر الذي يحث على إعطاء الناس حقوقهم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أثنى على بعض الصحابة  وبعض القبائل بما هو حق لبيان فضلهم والحث على الخير؛ و إني قلت ذلك اجتهادا مني. و لم أذكر إلا بعض مما فيه من الخير الذي علمته عنه. وشرحت ذلك فيما بعد لعبد الله نفسه، ويبدو أنه اقتنع بذلك وزال ما كان في نفسه. كما أخبرته بأن على المرء أن ينظر في مجموع الأوامر المتعلقة بتصرف ما، ولا يأخذ بحديث واحد فقط. ويعممه على جميع حالات الموضوع محل النزاع.  كما أوضحت أنه من حق الجماعة أن تعرف عن خطيبها الجديد، وأن نعرّفهم بما فيه من خصال الخير ليولد ذلك قناعة لديهم به.

وفي المرة اللاحقة وبعد نهاية الصلاة ، قمت مرة أخرى وأوضحت للحضور: أن ما ذكرته عن خطيبهم ليس من باب المدح، وإنما للتعريف به. وأصبح الأخ عبد الله مع أحد الأخوة هما المسؤولين عن المسجد وتسيير أموره في غيابي، و قد قاما بهذه المسؤولية خير قيام.

     وذات مرة جاء عبد الله إلى المسجد مع أحد الأخوة بعد انقضاء صلاة الفجر، وخروج جميع المصلين ، وكنت جالسا أقرأ القرآن ، وبعد أن صليا، قمت وسلمت عليهما حيث كانا قادمين من الحج. ودعوتهما إلى منزلي لتناول الإفطار وأخذ أخبار الحج منهما. فاعتذر عبد الله عن ذلك قائلا: إنه لم يذهب إلى أهله بعد ، وإنما قدم إلى المسجد مباشرة بعد عودته من السفر ليصلي فيه متبعاً سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. حيث كان r يقصد المسجد عند عودته من السفر قبل أن يذهب إلى بيته. وتساءلت حينذاك مَنْ منَّا نحن الذين ولدوا في الإسلام  يفعل هذه السنة اقتداء برسول الله rوإحياء لها؟

وقد بدأ عبد الله يدرس اللغة العربية بشكل نظامي في إحدى كليات المجتمع التي يُدَرِّس فيها أحد طلبة العلم المسلمين، وهو الآن يتحدث العربية ، ويعرف بعض قواعدها، كما يحفظ قدرا لا بأس به من القرآن الكريم ، و يتعلم الأحاديث ، ويخطب الجمعة مرتين في الشهر، ويدعو إلى الإسلام في أوساط غير المسلمين. لقد استطاع هذا الفتى الذي لم يتعد تعلميه الثانوية العامة القيام بكل هذه الأعمال ، بالهمة العالية والعزيمة والعمل الجاد والمثابرة.

 Back to Contents