AB1-04

جيمس أبيبا (James Abiba)

( فتى أمريكي اعتنق الإسلام )

عملت فترة مدرسا للرياضيات في إحدى المدارس الثانوية في مدينة “فورت ميد” (Fort Mead) بولاية ميرلاند (Maryland) في أمريكا. وكنت أتولى تدريس خمسة فصول مختلفة في تلك المدرسة بين السنة التاسعة والثانية عشر(الثالث المتوسط والثالث الثانوي)، يضم كل فصل منها حوالي أربعين طالباً.

 وذات يوم استأذن الطالب “جيمس” لمقابلتي و لم يكن طالبا في أي من هذه الفصول، وإنما طلب الإذن عن طريق أحد تلاميذي.  وعندما قابلته في مكتبي سألني بعض الأسئلة الأولية عن الإسلام، فأجبته عليها باختصار، ثم عاد فيما بعد بالمزيد من الأسئلة، فسألته “هل لهذه الأسئلة علاقة بمادة العلوم الاجتماعية التي تدرسها ؟” ولكنه أجاب بأنه قرأ كتابا عن الإسلام في مكتبة المدرسة مما بعث الفضول في نفسه عن الإسلام.

 ولما كان القانون الأمريكي يفصل بين الدين والدولة، فقد أخبرته بأن المدرسة الحكومية ليست المكان المناسب للحديث بتوسع في هذه الأمور، ودعوته لتناول وجبة خفيفة في أحد المطاعم القريبة.  وبعد حديث طويل عن الإسلام والتوحيد ، بدا أنه استفاد كثيرا من لقائنا.

 كان جيمس آنذاك في السادسة عشر من عمره. وراودتني في تلك الفترة عدة خواطر، أولها أنه مجرد مراهق وإن علم أبواه باهتمامه بالإسلام وأحاديثي معه فقد يضايقانه. كما أن مدينة فورت ميد ليست سوى قاعدة عسكرية مجاورة لدائرة الأمن القومية (الأمريكية) ، وتساءلت إذا كان ذلك سيسبب لي بعض الحرج حيث إن أباه يعمل في تلك الدائرة.

 ورغم ذلك التقيت به عدة مرات في ذلك المطعم ، وفي كل مرة يزداد الحديث صراحة وفائدة له. ثم أبدى رغبته في أن يزور المسجد الذي يصلي فيه المسلمون، فأخذته إلى مسجد في مدينة لوريل (Laurel) المجاورة. وكان ذلك المسجد عبارة عن بيت قديم غيّره المسلمون هناك ليناسب الغرض.  وهناك شرحت له كيفية الصلاة في الإسلام، فانجذب إليها بشوق، وأعجبه أنها صلةٌ مباشرة بين المرء ورب العالمين سبحانه وتعالى.

ثم أخبرني جيمس برغبته في الدخول في الإسلام، وسأل ماذا عليه أن يفعل، فأخبرته بسهولة ذلك وأنه قراره، ورغم حماسه أخبرته أن أسوأ ذنب يلقى المرء به ربه هو أن يرتد عن الإسلام بعد الدخول فيه، ولذا فعليه أن يعرف المزيد عن الإسلام وعما يجب عليه تجاه ربه من التوحيد والعبادة ليدخل الإسلام عن قناعة ومعرفة.

 وبعد عدة أيام جاء برغبته واختياره ونطق الشهادتين بفضل الله ومنته. أخذت بعد ذلك اصطحبه بسيارتي مرة في الأسبوع  للصلاة في  المسجد وحضور الدروس التي تعقد فيه، وبدأت أعلمه خلال ذلك الحروف العربية، فأتقنها بسهولة، ثم تدرج في تعلم تلاوة القرآن من المصحف حتى استطاع ذلك، ثم أبدى رغبته في تعلم الأذان، فتعلمه وحرص على أن يؤذن في المسجد كلما أتى إليه، وظهر تأثره بالآذان، وتأثيره فيه عندما يؤذن.

وذات مرة مررت بمنزله لأصحبه إلى المسجد فخرج لابسا ثوبا بدلا من لباس الأمريكان، فاستغربت لذلك خصوصا أن من حوله كانوا يلاحظون ترددي على منزله واصطحابي له إلى المسجد بغير عين الرضا. فذكرت له ذلك قائلا أن الأمر قد لا يحتمل لفت الأنظار بلبس الثوب، فالمسلم يمكن أن يصلي بالقميص والبنطال، وبعد أن أنهيت ملاحظتي نظر إلي وقال بكل بساطة “يا أستاذ أحمد ..إن إيمانك ضعيف”.  فسألته إن كان والداه يضايقهما لبسه للثوب فذكر أنهما لا يمانعان وأنهما متفهمان لرغبته واختياره، وذكر أن أمه تطبخ له اللحم الحلال لوحده، وتقديرا لعدم رغبته في أكل اللحم الذي قد يكون لحم خنزير أو لحم ميتة، فارتحت لذلك كثيرا.

وبعد فترة وبينما هو لا يزال في الثانوية جاءني بطلب آخر.  فقد ذكر أنه يريد أن يغير اسمه، وأن يستبدل به اسما مسلما. قلت له إنه غير ملزم بذلك مادام اسمه الحالي ليس فيه محظور، كما أن اختيار اسم غريب على أقرانه الأمريكيين قد لا يساعد في دعوته إياهم إلى الإسلام، فقد يظن أحدهم أن عليه أن يترك اسمه لكي يدخل في الإسلام، و أنهم قد يتجافون عنه إذا علموا بذلك. ولكنه رد بنفس الأسلوب السابق “يا أستاذ أحمد ..إن إيمانك ضعيف”. وأصبح اسمه بعد ذلك “جيمس حسين أبيبا” ، ويبدوا أن الاسم الأخير أفريقي حيث يحرص كثير من الأمريكان السود على أن يستخدموا مثل هذه الأسماء.

 وبعد نجاحه في الثانوية العامة أخذ يبحث عن عمل في إجازة الصيف، فاستطعنا أن نجد له وظيفة استقبال في أحد العيادات الطبية لطبيبة مسلمة. وكان يقضي كثيراً من الوقت في القراءة حيث إن العيادة كانت جديدة ولم يكن العمل فيها يشغل إلا قليلا من وقته.

وذات مرة وفقت إلى أداء العمرة خلال شهر رمضان، وقد كانت أول مرة أقضي فيها شهر رمضان المبارك كله بين مكة المكرمة ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع فرحتي بقضاء العيد في مكة مع المسلمين فقد كنت قلقا على ذلك الفتى، وكونه وحيدا هناك. وقد كنت أسأل بعض الأخوة في المسجد عن حاله، فذكروا لي محافظته وانتظامه، بل إنهم ذكروا أنه اعتكف العشر الأواخر من رمضان في المسجد. وعندما قابلته فيما بعد وسألته عن أخباره وما فعله لم يذكر شيئا عن اعتكافه.

وبعد ذلك التحق بالجامعة وتخصص في دراسة التاريخ الإسلامي، وعلمت أنه تزوج فتاة مسلمة من الهند، وكان له نشاط في اتحاد الطلبة المسلمين في الجامعة، وعندما تخرج عمل مدرسا في إحدى المدارس الإسلامية في شيكاغو(Chicago)، ثم انقطعت أخباره عني.

Back to Contents