AB1-08

الدكتور/ نجات  (Dr. Najat)

( كيف أسلم دكتور هندوسي و خدم المجتمع الإسلامي بإخلاص )

ولد الدكتور نجاة ونشأ وتلقى تعليمه في الهند، وبعدما تخرج مهندسا من الجامعة عمل قليلا ثم قدم إلى كندا للدراسة العليا في الهندسة. و نجاة هو ليس اسمه الأصلي المعقد الذي لا أستطيع كتابته ولا نطقه، ولا أعرف عنه إلا أنه اسم تقليدي تطلقه تلك العائلات الهندوسية المتعصبة على أبنائها. وقد حرصت عائلته على أن تنشئه على أصول الهندوسية، وأن تجعله متمسكا بها وملتزما بتعاليمها، وبقي كذلك طوال حياته في بلاده في تلك البيئة المغلقة.

ولكنه عندما قدم إلى كندا وجد فيها مجتمعا تلتقي فيه مختلف الحضارات والأفكار. ووجد في الجامعة جوا منفتحا يمكن فيه الحديث والنقاش حول جميع الأمور، ولما كان امرؤا ذا عقل متفتح وقلب واع فقد بدأ يفكر في دينه الذي هو عليه، ويتساءل عن مدى صحته وسرعان ما اقتنع بأن الهندوسية دين باطل في معتقداتها وشعائرها وأخذ يبحث عن بديل لها في إنجيل النصارى، حيث إنه أول ما يخطر على البال بحكم وجوده في بيئة نصرانية.

وفعلا اعتنق النصرانية لأنها بدت له حقاً – مقارنة بما كان عليه من الضلالة – ، ولكنه بعد مضي فترة وبعد أن تعرف إلى النصرانية عن كثب علم أنها لا تحوي الحق الذي يبحث عنه، وأن ما فيها من تناقض وأمور باطلة لا يمكن أن تكون معها هي المذهب الصحيح. وبدأ يقرأ عن الإسلام ويتعرف عليه، وكان ذلك في منتصف طريقه للحصول على الدكتوراه في الهندسة.

 وكان للجو المنفتح في الجامعة أثر كبير في تعرف نجاة على الإسلام عن كثب، فقد كانت تعقد في الجامعة مناظرات بين اتباع الأديان المختلفة خصوصا اليهود والنصارى والمسلمين، وذلك في جو صحي وبصورة هادئة بدون انفعالات أو تجاوزات، وعندما بدأ يقارن بين الأديان تبين له التناقض في أن يتخذ المرء ثلاثة آلهة (في النصرانية) بل أكثر في الهندوسية، وبعد ذلك عن الفطرة السليمة التي تقبلها النفس والعقل في أن يدعو المرء إلها واحدا سميعا بصيرا محيطا بعلمه كل شئ، كل ما سواه مخلوق وهو الواحد الأحد المنفرد بالعبودية. ولم تستمر معاناته وتفكيره طويلا، حيث استقر قلبه وعقله على اختيار الإسلام ودخل فيه طائعا مختارا، ثم غير اسمه الهندوسي إلى اسم مسلم حيث تسمى باسم “نجات” ليكون دليلا على نجاته من الكفر إلى الإيمان.

 وسرعان ما أدرك نجاة أن الدخول إلى الإسلام سهل لكن الالتزام به يتطلب أكثر من ذلك من الإصرار والمصابرة.  وأدرك أن عليه أن يتزوج في أقرب وقت ممكن لكي يحفظ نفسه ويستقر في حياته، واختار فتاة من أسرة مسلمة محترمة في مدينة  وينزر، وتمت وليمة الزفاف في مسجد المدينة، واكتملت سعادته بمناقشته لرسالة الدكتوراه، وحصوله على الدرجة العلمية التي كان يطمح لها. ثم حصل على وظيفة في شركة فورد المصنعة للسيارات في مدينة ديترويت الأمريكية، وانتقل إلى مدينة قريبة منها حيث يوجد المسجد الذي نصلي فيه، وكان في هذا المسجد بداية لقائي به وتعرفي عليه.

وبعد عدة لقاءات بيننا سألته عن قراءته للقرآن فصعقت عندما علمت أنه لا يستطيع قراءة القرآن، بالرغم من كونه حريصا وقادرا. والحق أن هذه مشكلتنا نحن المسلمين فنحن نتحدث وننتقد كثيرا، ونسهب الحديث عما يجب وما لا يجب ولكنا لا نعمل إلا أقل القليل هذا إن عملنا.  فعلى الرغم من معرفة العديد من الأخوة لهذا المسلم الجديد فلم يهتم أحد بأمره وينظر في حاله.  وسألت زوجته موبخا لها” لمَ لم تعلمي زوجك قراءة القرآن بالأحرف العربية بالرغم من زواجك منه منذ  فترة؟ ولكنها لم تعطني جوابا . غير أن لسان الحال الذي ينطق بالإهمال واللامبالاة يجيب عنها وعن كثير من المتخاذلين والمقصرين مع الأسف.

فأخبرت نجاة بأن عليه أن يخصص لي فقط ثمانية أيام من أيام العطلة الأسبوعية، لكي أجعله يقرأ القرآن الكريم بإذن الله. وأصبحنا نلتقي  في صلاة الفجر ونجلس بعد الصلاة في أيام العطلة الأسبوعية لعدة ساعات، ولم تنته المدة المحددة إلا وهو يقرأ القرآن، وحدث أن أخبرت عن درسنا هذا بعض الأخوة فأخذوا يشاركوننا في الدرس بعد ذلك.  وأصبح كل متعلم يتكفل به أحد الأخوة الذين يعرفون القرآن ليعلمه تلاوته باللغة العربية، وأصبح من المعتاد كل صباح سبت وأحد من كل أسبوع أن يلتقي الأخوة لدرس القرآن ثم تنتهي الجلسة بطعام الإفطار المشترك للجميع في المسجد.

ولما تحسن مستوى نجاة وأصبح يستطيع قراءة جميع سور جزء عم. تكفل بتدريسه من هو أقدر مني وهو أخ كبير السن من سورية، فتحسن نطقه للأحرف العربية وتلاوته للقرآن، و ازدادت حماسته هو ومدرسه للدروس وأصبحا يلتقيان يوميا بعد صلاة الفجر، فكان نجاة يخرج من بيته كل يوم قبل صلاة الفجر، ثم يصلي في المسجد ويجلس بعدها مع مدرسه حتى يحين موعد عمله في الشركة، فيذهب للعمل مباشرة دون العودة للبيت.  كما كان يحضر أهله للصلاة في المسجد كل عشاء. وكان نجاة ومدرسه جزاه الله خيرا يحافظان على هذا الدرس، حتى في شدة البرد وكثرة الثلوج والعواصف في أيام الشتاء القارسة.  وكان هذا الأخ السوري فخورا بتلميذه، وكان يداعبني بقوله “إن نجاة الآن أصبح ينطق العربية ويتلو القرآن أفضل منك” بل أصبح يمكنه قراءة القرآن نظرا من أي موضع، وكان مع تعلمه لقراءة القرآن يقرأ معانيه بالإنجليزية، ويزداد فهمه وتعمقه فيه، كما بدأ يحفظ بعض السور حتى استطاع أن يحفظ نصف جزء عم تقريبا.

 ومن قُدِّر له العمل في مساجد المسلمين في الغرب يعلم أنه من الصعب القيام على أمورها، حيث لا توجد جهات إسلامية رسمية تتكفل بها، بل يجب على جماعة المسجد العناية به والمحافظة عليه وحمايته. وأغلب هذه المهام تقوم على التطوع حيث لا توجد موارد مالية لهذه المساجد إلا ما يتبرع به أهله في الغالب، ومن الصعب جدا أن يتوفر الإخوة المتطوعون الذين يعملون بجد وإخلاص وتفان دون خلق مشاكل واعتراضات. فالكثير منا المسلمين القادمين من شتى أنحاء العالم الإسلامي عندما يأتي إلى الغرب فإنه يحمل معه أمراض الكسل وقلة العمل مع كثرة الانتقاد للآخرين فيما يعملونه، وهو أمر نجيده بقدرة فائقة.

 إلا أن د. نجاة تطوع للمساعدة في رعاية أمور المسجد دون طلب من أحد. كان غالبا هو الذي يفتح المسجد لصلاة الفجر، لأنه يأتي قبلنا بالرغم من كونه أبعدنا سكنا عنه. وكان يقوم بتنظيف الممرات التي تؤدي إلى مدخل المسجد من الثلج المتراكم في أيام الشتاء، ويرش الملح لإذابة الجليد لكي لا ينزلق أحد فيصاب، ومثل هذا العمل في غاية الأهمية ليس فقط لحماية من يمر من الإصابة بل أيضا لحماية المسجد من أن يصاب أحدهم -ولو كان مارا عرضا بالمسجد- فيرفع  عليه قضية أمام المحاكم للمطالبة بالتعويض، وهذا الأمر وارد جدا في مثل هذه البلاد. كما كان نجاة يساعد في تسيير أمور مدرسة المسجد الإسلامية التي تعمل في نهاية الأسبوع. فقد كان يفتح المسجد قبل صلاة الظهر ويزيل الثلج ويرش الملح قبل دخول الطلاب والمدرسين. كما كان يقوم بالمهمة الصعبة وهي جمع الرسوم الدراسية من آباء الطلاب المسجلين في المدرسة. وكان يقوم بشراء الوجبات الخفيفة للطلاب وتنظيف المطبخ والثلاجة بشكل منتظم، إنك تحس وأنت تراه يعمل وكأنه يقوم بذلك في منزله الخاص.

كما كان يقوم بأعمال تنظيف الحديقة المحيطة بالمسجد ورعايتها، فكان يشتري السماد من ماله الخاص كما كان يشتري الملح، ويسمد الحديقة ويزيل النباتات والحشائش الضارة، وكان يفعل ذلك بكل جد وهمة كما كان يعمل مع بعض الأخوة الآخرين على إزالة الأشجار الكبيرة القديمة حول المسجد.

وكان حاله كذلك في رمضان حيث يتولى بنفسه أحيانا إحضار الإفطار من بيته مثله مثل الآخرين الذين يتبرعون بوجبة الإفطار حيث يتم الإفطار في المسجد بشكل يومي. كما كان يساعد الآخرين في ترتيب وإعداد الطعام كل يوم تقريبا. وكان يؤدي عمله بنفسه وبكل هدوء وصمت، ودون أن يأمر الآخرين أو يطلب منهم المساعدة. أما في الأعياد فكان ممن يقوم بإعداد مستلزمات حفل العيد وخدمة الحضور بعد صلاة العيد. كما كان مشهودا له بدعوة العديد من العائلات لبيته بعد صلاة العيد واستضافتهم فيه وأصبحت تلك عادته كل سنه.

وذات مرة سالت نجاة ” الآن بعد أن عرفت الإسلام وقرأت القرآن… كيف تشعر؟” فقال: “أصدقك القول أني لا يمكن أن أقارن ما أنا فيه من الهدى والخير في الإسلام، بما كنت عليه من القلق والضياع في الهندوسية أو النصرانية، كما أن للقرآن أثرا كبيراً على النفس والقلب عندما أسمعه يتلى.

 ومؤخرا صار نجاة يصلي بالجماعة أحيانا إذا لم يوجد من هو أقرأ منه. وهو أمر وإن كان قد تعودنا عليه أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤم القوم أقرأهم إلا أنه يوضح معنى ساميا من معاني هذا الدين ذكره الله سبحانه في كتابه بقوله: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، فهذا الرجل الذي كان فيما مضى هندوسيا بعد أن هداه الله للإسلام والحق ، يؤم الجماعة بنفسه. فأكرم القوم عند الله أتقاهم له ومقدمهم هو أقرأهم لكتاب الله بغض النظر عن أصله أو لونه أو بلده.  نسأل الله لنا الثبات على الحق والاستزادة من الخير.

Back to Contents