AB2-05

 جوبـال إكـون

مهندس الكمبيوتر الفلبيني

لم يجبرني أحد على اعتناق الإسلام

 

كان “جوبال ” من ضمن الكثير من الشباب الذين قدموا إلى السعودية بغرض العمل و الكسب المادي، و لكن شيئاً ما كان معداً له في تلك البلاد ، و لا شك أن قصته مليئة بالصراعات الروحية و الثقافية و التي تغلَّب عليها جميعها بخطواتٍ ثابتة .

هذا الشاب نشأ في محيط ديني صارم و منذ نعومة أظفاره كانت له مشاركات فعالة في أنشطة الكنيسة في الفلبين و كان يفتخر بذلك ، و لقد وصف لي تعليمه و تربيته النصرانية كما يلي.

التربية النصرانية

كانت ولادتي في كنف عائلة نصرانية ، كاثوليكية المذهب ، و نشأت على التدين و المداومة على حضور أنشطة الكنيسة ، حيث أنني و منذ كنت طالبا في المرحلة الإبتدائية أقوم بالتبرع لتنظيف الكنيسة ، كما أنني كنت أقوم بدور المساعد للقسيس في حفلات العشاء المقدس، و في المرحلة الثانوية كنت ضمن فرقة المرددين للأناشيد النصرانية في الكنيسة كعازف للغيتار و أحيانا كعازف للبيانو ، كما كنت أيضا ضمن رابطة تسمى رابطة مريم و هي مجموعة تناقش سبل تنمية حب و عبادة مريم العذراء، و لذلك كان لدينا العديد من التماثيل لمريم كتمثال مريم العذراء و مريم ماجدولين.

و لقد وجدت أن القاسم المشترك لجميع هذه الأنشطة النصرانية هو قيام القسيس بالقراءة من الإنجيل ثم نقوم نحن فقط بالإنصات لما يتلوه  ، و كنت دائما أتعجب من عدم مشاركتنا في قراءة الكتاب المقدس .

أول التغييرات البارزة في حياتي 

و في المرحلة الجامعية كان أبرز تغيير في حياتي في الجانب الديني عندما دعاني أحد الزملاء في الكلية لملاحظة أحد أنشطة إحدى المجموعات النصرانية الغير طائفية (أو الغير متعصبة)، لم أكن أستطع فهم ما يقومون به و ما يدعون إليه  و لكن أبرز ما لاحظته في أنشطة الكنيسة البروتستانتية هو مشاركة الجميع في تلاوة الكتاب المقدس بعكس ما كنا نمارسه من الإنصات في كنيستنا الكاثوليكية ، و فوجئت أن الإنجيل يدعو إلى عدم عبادة أي تماثيل أو أصنام ، و كان ذلك بمثابة الدرس المفيد جداً بالنسبة لي ، و جاء قراري سريعاً بالتحول من الكنيسة الكاثوليكية إلى البروتستانتية و كنت أول من تحول إلى هذه الكنيسة من عائلتي ، ولكن و بعد دراسة و بحث تحول جميع أفراد عائلتي أيضا إلى الكنيسة البروتستانتية ، و منذ ذلك الوقت بدأت باكتساب العلم الصحيح من الكتاب المقدس و عملت قسيساً متدرباً.

صورة الإسلام و المسلمين في الفلبين

لم يكن لدي أي تصور صحيح عن الإسلام أو المسلمين و كان لذلك الغموض عدة أسباب منها ، أن زملائي المسلمين في المدرسة لم تكن لهم هوية محددة و لم يلتزموا بالإسلام فلم أكن قادراً على التمييز بينهم و بين غيرهم و كذلك أساتذتي المسلمون لم يكونوا مسلمين إلا في الظاهر فقط.

و لم يكن ما ينقله الإعلام عن الإسلام من تشويه بأفضل من هذا الوضع ، حيث كان المسلمون يوصمون بالإرهاب بشكل عام ، و على سبيل المثال فإن الإعلام كان يعتبر كل المسلمين مجرمين بمجرد قيام شخص مسلم بجريمة ما ، و كان التخويف و التحذير من خطر المسلمين أمراً شائعاً جداً في الفلبين و كانوا يخبروننا و نحن أطفال ألا نقترب من هؤلاء الناس لأنهم سيئون و قتلة ، و أريد أن أضيف هنا أن القسيسين في الكنائس كانوا يتجنبون الحديث عن المسلمين و ذلك بسبب انشغالهم في نقد المذاهب النصرانية الأخرى.

البحث عن عمل

طرأت لصديق لي فكرة حول البحث عن  عمل في المملكة العربية السعودية بغرض الكسب المادي و بالفعل قمنا بالاتصال ببعض الشركات ، و حصلنا على عرض من إحدى البنوك للعمل في مجال هندسة الحاسب الآلي و لكن الراتب المعروض لم يكن مغرياً و لذلك رفضت هذا العرض بدايةً ، و لكنني أخيراً اضطررت للموافقة بعد ضغط متواصل من صديقي الذي جاملته تقديراً و احتراماً له و رغبة في مشاركته في هذه المغامرة ، و بذلك توجهنا إلى السعودية.

 

انطباعاتي الأولى عن الحياة في السعودية

الحقيقة أنني لم أكن أشعر بالراحة و الاستقرار في هذا البلد الجديد الذي انتقلت إليه , و ذلك لعدد من الأسباب منها أن ثقافتها مختلفة تماماً عما تعودت عليه ، فالمحظورات في هذا المجتمع كثيرة ، و هناك قيود كثيرة على الحياة الإجتماعية ، كما أنني لم أكن أتكلم اللغة العربية لعدم إيماني بأهميتها أو فائدتها في العالم الذي نعيش فيه ، و لم أكن محتاجاً لها في أول الأمر حيث أنني كنت أسكن في شقة مع مجموعة من زملائي الفلبينيين و كانوا جميعاً يتحدثون الإنجليزية.

و حدث لي موقف غير نظرتي نحو هذه البلاد و أهلها ، فقد ركبت سيارة أجرة و كان السائق يظهر عليه الأناقة و التدين و لكنه فاجأني بطلب زيادة في الأجرة المتفق عليها مما أزعجني كثيراً ، ثم أصر على أن أعطيه مبلغاً زائداً أيضاً عند وصولنا ، فغضبت غضباً شديداً و اندفعت خارج السيارة قائلاً له :  ألست تصلي خمس مرات يومياً ؟  وكان هذا السؤال بمثابة المنبه لهذا السائق الذي ندم على تصرفه و قال لي: أعطني خمسة عشر ريالاً فقط ، وهذا الموقف الإيجابي جعلني أتوقف قليلاً في التفكر في طبيعة أهل السعودية ، فيبدو أنهم أناس طيبون و ذلك بلا شك مقترن بتدينهم .  

المحادثة التي استوقفتني

و في إحدى المرات كنت أتحدث إلى المشرف السعودي  في البنك الذي كنت أعمل به و يدعى عبد الله ، و كان يجيد الإنجليزية بسبب تدربه على استخدامها في الخارج و كان أيضاً يحدثني بشكل مطول في كثير من الأحيان , و أثناء حديثي معه فوجئت باستخدامه لكلمة “عيسى” و هي الكلمة التي لم أسمع بها من قبل منذ بداية انتقالي إلى السعودية منذ سنتين ، فقلت له: “لحظة من فضلك ، أن عيسي هو الرب الذي أعبده ، من أين لك أن تعرف ربي ؟ ” ، و لقد كانت دهشتي كبيرة لأنني كنت أعتقد أن المسلمين يعبدون الشمس و ذلك لأنهم في صلواتهم كصلاة الفجر و المغرب مرتبطين مباشرة بطلوع الشمس  و غيابها ، و بعد لحظة تأمل بدأ عبد الله في الحديث عن أسماء الأنبياء السابقين مثل: نوح و إبراهيم و موسى و غيرهم، و ذكر لي أمرا  لم أكن أعرفه من قبل و لم أكن أتوقعه على الإطلاق ، حيث قال: “هؤلاء جميعا هم أنبياء المسلمين أيضاً” ، كنت أعرف أسماء الأنبياء من الكتاب المقدس و لكن ما أدهشني في الحقيقة هو اكتشافي و للمرة الأولى وجود علاقة ما بين النصرانية واليهودية و الدين الإسلامي .

 

بداية اكتشاف الإسلام

و بعدها بدأت رحلتي الإستكشافية للإسلام – دين عبد الله – و كانت البداية مع مجموعة من الكتب التي قمت بشرائها و لفت نظري عنوان إحداها و هو “عيسى ابن مريم ، و ليس الله ” ، و اشتريت خمسة كتب في مقارنة الأديان و قمت بدراستها بعمق .

و المثير أن جميع هذه الكتب كانت تحتوي على أدلة من الإنجيل مما دعاني للسؤال عن مراكز الدعوة الإسلامية للاستفسار عن المزيد من مثل هذه الكتب ، فدلني الأخ عبد الله على أحد المراكز القريبة من منزلي في مدينة الخبر في المنطقة الشرقية بالسعودية – حيث كنت أعمل- و التي يقطن بها الكثير من  الموظفين الفلبينيين ، و حينما زرت إحدى هذه المراكز وجدت الكثير من كتب مقارنة الأديان فأحببت شراء بعض هذه الكتب و قراءتها ، و لكن موظف الاستقبال أخبرني أن جميع هذه الكتب مجانية و أراد إهدائي بعضا منها و لكنني أصررت على دفع مبلغ من المال مقابل هذه الكتب ، و ذهبت سريعاً للمنزل و معي كتبي الجديدة لأنظر فيها علَّني أجد بعض الأمثلة على تشويه و تحريف نصوص الكتاب المقدس (الإنجيل) الموجودة في هذه الكتب و التي يقومون بسردها لإظهار النصرانية على أنها دين محرف ، و أحضرت نسخة من الإنجيل ثم قمت بالبحث عن كل إصحاح مذكور في هذه الكتب لكي أثبت عدم صحته أو تغييره بشكل أو بآخر، و كانت المفاجأة أن جميع هذه الإصحاحات كانت منقولة في هذه الكتب بشكل صحيح و بدون أي تغيير كما وردت في الكتاب المقدس ، و بالرغم من كل هذا لم أكن بعد مقتنعا بالإسلام ،  فقمت بزيارة مركز الدعوة الإسلامية مرة أخرى و قام أحد الموظفين بدعوتي لمشاهدة شريط فيديو لمناظرة بين الداعية الإسلامي المعروف أحمد ديدات و أحد كبار رجال الدين النصارى ، فقررت أن أعطي نفسي فرصة أخرى لمعرفة الحقيقة بموضوعية كاملة  و بدون أي تحيُّز ، و هنا بدأت الأمور تتضح أمامي جليا حيث كانت نتيجة المناظرة هو فشل رجل الدين النصراني تماماً في إثبات صحة الدين الذي يؤمن به ، و في تلك اللحظات بدأ اعتقادي بالنصرانية في الإنهيار فتساءلت في نفسي: “إن لم يستطع رجل الدين هذا أن يدافع عن دينه النصراني ، فهل أستطيع أنا ذلك ، و أنا مجرد تابع لهذا  الدين؟ ” ، و في ذهولي هذا  بدأت أشعر و كأنني  أخسر معركةً عظيمةً و لا أعرف إلى أين أتجه لطلب المساعدة .

لا إكراه في الدين

ربما أن هذا الشريط قد أثَّر عليّ كثيراً ، و بدأت بعدها في البحث عن الحقيقة  بجدية أكثر ، و في إحدى المرات كنت بصحبة أحد أصدقائي  من الفلبين و كان مسلماً، و اسمه رضوان عبد السلام و كان هذا هو الفلبيني المسلم الوحيد الذي كنت أعرفه ، و بدأت أسأله عن الإسلام و لكن إجاباته كانت مقتضبة إلى حدٍ ما ، و بعدها أعطاني ترجمة للقرآن بالإنجليزية ، و رغم محاولاتي لفهم القرآن إلا أن ترجمة القرآن  لم تكن في الواقع سهلة القراءة بالنسبة لي .

شيئاً ما كان يدعوني للتعجب كثيراً و كان مثيراً للدهشة بالنسبة لي ، ألا و هو عدم محاولة صديقي الفلبيني إقناعي بالدخول في الإسلام، و كذا الأخ السعودي عبد الله و الذي لم يحاول ذلك أبداً ، و هنا تأكدت تماماً من أن المسلمين يمارسون القاعدة الهامة في الدعوة الإسلامية و هي أنه لا إكراه في الدين ، و لذلك ليس بغريب ما لاحظته حتى عند الإخوة في مركز الدعوة الإسلامية بالخبر، و ذلك لأنهم هم أيضاً لم يحاولوا إقناعي بالإسلام أو فرض وجهة نظرهم عليَّ بأي شكل من الأشكال ، بل على العكس من ذلك فقد تعاونوا معي بكل رحابة صدر في توفير جميع المعلومات و المطبوعات التي احتجت إليها حول مقارنة الأديان ، و تركوا لي في النهاية حرية الإختيار المطلق في قبول الدين الإسلامي من عدمه ، مما أدى إلى شعوري بالارتياح الكبير في تعاملي مع هؤلاء المسلمين ، في حين أنهم لو حاولوا فرض وجهة نظرهم عليَّ  بأسلوب الشدة و العنف و حاولوا إكراهي على دخول الإسلام بأي شكل من الأشكال لصرفني ذلك بعيداً عن الإسلام و لا شك ، و رغم كل ذلك فإنني في الحقيقة ما زلت أتعجب و أتساءل عن أمر هام طالما فكرت فيه ، ألا و هو لماذا  تُركت في بداية الأمر حين قدومي إلى السعودية و لمدة سنتين كاملتين دون أن يحدثني أحد عن الإسلام ألبتّه  أو يعرض علي الإسلام؟ , وهذا أمر غريب جداً في بلد إسلامي مثل السعودية.

و تجلت لي الحقيقة

ثم و بعد دراسة مستفيضة و رحلة بحث طويلة خضتها لاستكشاف  حقيقة الدين ،  اتضحت لي بعض الأمور المصيرية في ما يتعلق بالدين و الإيمان و هي:

 أولاً: أن عيسى هو في الواقع ليس  الله .

وثانياً: أن الكتاب المقدس(الإنجيل) لم يبق على هيئته الأصلية التي نزل بها من عند الله بل شابه الكثير من التحريف و التبديل بشكل لم يعد معه إصلاح التناقضات المتعددة فيه أمراً ممكناً ، و لذلك تساءلت كيف يكون الدين النصراني – الذي أعتنقه – والذي يعتمد على هذا الكتاب المحرف ديناً صحيحاً , و استنتجت أخيراً أن هذا الدين النصراني هو مجرد عقيدة مفروضة على الكثير من الناس و ليست قابلةً للتفكر بطريقة علمية أو للتدبر  أو حتى للمساءلة ، وهذا في حد ذاته شكل ضغطاً هائلاً على عقلي و تفكيري .

و ثالثاً: اتضح لي و بدون أدنى شك أن القول بأن (لا إله إلا الله الواحد ) هو أمرٌ شديد الوضوح و خالٍ من التعقيد و سهل الفهم والاستيعاب ، و الواقع أن فهمي لهذه الشهادة و لهذا التسليم كان له الأثر الكبير في إزالة جميع الضغوط عن عقلي و تفكيري و جعلني أشعر بحريتي الإنسانية, و الحقيقة أنني و لعدة أيام عشت بروحي و فكري مع هذه الشهادة و لأوقات طويلة لدرجة أنها أصبحت جزءاً من كياني و أشعر بها في كل وقت .. في غرفتي الخاصة .. و أثناء عملي.. و أثناء قيادتي لسيارتي  لمسافات بعيدة ..و كذلك أثناء سماعي للأشرطة التي جلبتها معي من مركز الدعوة الإسلامية.

و بعدها تجلت أمامي و بدون أي مجال للشك حقيقة وحدانية الله سبحانه و تعالى ، و كان هناك شيئاً ما يدفعني و بقوة لإتخاذ قرار مصيري في حياتي ، وكنت سائراً على ما يبدو في الاتجاه الصحيح غير عابيء بمايمكن أن يترتب عليه قراري هذا من مشاكل مع الأهل و الأصدقاء .

و كل ما كنت أود معرفته في تلك المرحلة الحرجة هو كيف لي أن أدخل الدين الإسلامي؟ كان ذلك هو كل ما يحيٌّرني و يسيطر على تفكيري و يشغل بالي في ذلك الوقت.

ثم أسرعت إلى أحد المراكز الإسلامية في مدينة الخبر السعودية (حيث أعمل)  لحسم هذا الأمر ، و في وقت كانت تٌقدّم  فيه مجموعة من المحاضرات الدينية في عدة غرف بالمركز و بلغات مختلفة ، فانضممت إلى مجموعة من الفلبينيين ، وبعد تلك المحاضرة سألت المحاضر (و كان اسمه فريد و هو أحد الفلينيين المسلمين) “كيف يمكن للشخص أن يصبح مسلماً؟” ، فسألني: “هل تريد حقا أن تصبح مسلماً؟” فأجبته سريعاً “نعم بالتأكيد، و تعجب جميع الحاضرين لأنها كانت أول مرة أحضر فيها درساً إسلامياً  في هذا المركز، و سألني المحاضر فريد مجدداً:  “هل أنت متأكد تماماً من رغبتك في دخول الإسلام؟  هل لديك معلومات كافية حول الدين الإسلامي؟.  هل قرأت عن الإسلام؟” ، فأكدت رغبتي بدخول الإسلام بقناعةٍ تامةٍ  بعد بحث و دراسة، و هنا أكرر أنني تعجبت بسبب عدم محاولة أي أحد إجباري على الدخول في الإسلام و حتى بعد استفساري المتكرر حول كيفية اعتناق الإسلام ، و جاء بعد ذلك أخ  سعودي و قال لي : “إني أرى في وجهك الإسلام يا أخي” ، ثم قام المحاضر (فريد) بجمع الحاضرين في المركز و طلب مني ترديد الشهادتين بالعربية أولاً ثم بالإنجليزية  فقال قل “أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله.  مجرد قولك لهذه الكلمات البسيطة هو إعلان دخولك في الإسلام ” ، و حين أفكر في ذلك أقول لنفسي “إنها حقا كلمات بسيطة، و قد جعلت مني مسلماً”  و بعد هذا الإحتفال البسيط إحتشد الحضور لتهنئتي بالإسلام و عناقي عناقاً حاراً ، و وقفوا لذلك في صف طويل و قاموا بتهنئتي من صميم قلوبهم  و كان ذلك واضحا في وجوههم ، و صاحوا جميعا و بصوت واحد مرة بعد مرة “الله أكبر.  الله أكبر” .

 

الإسم الإسلامي

بعد أدائي للشهادتين سألني الأخ فريد عن الإسم الذي أريد أن اختاره لنفسي بعد إسلامي، ففكرت قليلاُ في نفسي و تذكرت الشخص الذي حدثني في البداية عن الإسلام و اصطحبني للمركز الإسلامي و لقد كان شخصاً لبقاً و لطيفاً و كان حديثه منطقياً و مشوقاً و مليئاً بالمعلومات المفيدة، و قد جذبتني إليه أخلاقه الحسنة و أسلوب حديثه ، و لكنني لم أكن أعرف اسمه، فذهبت إلى المركز الإسلامي و سألتهم هناك عن إسم ذلك الرجل  فأخبروني أن اسمه الشيخ صالح ، فقلت في نفسي سريعاً “سأختار هذا الاسم منذ هذه اللحظة” ، ثم قال لي الأخ فريد: اذهب إلى المنزل و اغتسل و صلِّ لله سبحانه و تعالى و ادعه شكراً على نعمته لك بالإسلام.

أول صلاة .. و التعليم الديني

كم كان مثيرا أن أخوض تجربة الصلاة و لأول مرة في صلاة الفجر ، و عندما دخلت المسجدكنت أشعر بخجل شديد لعدم معرفتي بكيفية أداء الصلاة ، ولكن أحد الإخوة السودانيين أرشدني إلى عدة أمور أساسية كالطهارة و الوضوء ثم الصلاة ، ووقتها لا يمكن أن أنسى لحظة سجودي لله  لأول مرة ، وياله من شعور لا أستطيع وصفه أبداً ، و مازلت أدعو الله  سبحانه وتعالى أن يعيد لي تلك اللحظات الرائعة و ذلك الشعور النادر حين سجودي لله سبحانه و تعالى.

و بدأت معرفتي بالأمور الأساسية في الإسلام عن طريق تعلّم اللغة العربية و القرآن الكريم و أركان الإسلام ، و استفدت كثيراً من المحاضرات العامة في مركز الدعوة الإسلامي الذي كنت أتردد عليه يومياً في المساء ، و من أمثلة الأحكام الإسلامية التي تعلمتها  تحريم الربا و عدم جواز أكل أي وجبةٍ لا يذكر فيها اسم الله سبحانه وتعالى،  و لحسن الحظ كنت أشعر دائماً بالسعادة و الفخر و الإعتزاز بحياتي مسلماً رغم أن أصدقائي و زملائي لم يلحظوا هذا التغير الكبير في حياتي و يبدوا أنهم لم يقدّروا ذلك بعد علمهم بإسلامي و هذا كان يمثل تحدّيا كبيرا بالنسبة لي .

 

ردود فعل الأصدقاء

و في إحدى المرات دعاني أحد الأصدقاء الغير مسلمين  إلى حفلة عشاء فاخر بمناسبة رأس السنة ، واشترطت أن لا يقوموا بالصلاة على الطريقة النصرانية أثناء تناول الطعام فوافق الأصدقاء على هذا الشرط، و بالرغم من وعدهم لي إلا أنني لاحظت قيامهم بالصلاة النصرانية قبل تناول الطعام مما أغضبني كثيراً نظراً لنقضهم العهد، فخرجت على الفور من حفلة العشاء ، و جاءت هذه الحادثة لتثبت لجميع الزملاء و الأصدقاء أنني شديد التمسك بتعاليم ديني و صلب في التزامي هذا , و أنني لا أقبل أي نوع من التنازلات مهما كانت في سبيل الدين الإسلامي.

و كذلك في يوم من الأيام اجتمعت مع زملاء لي في غرفتي بالسكن ، و بدءوا يوجهون لي الأسئلة حول التغيرات التي حدثت لي بعد الإسلام و عن بعض حقائق الدين الإسلامي و كنت أجيبهم بقدر استطاعتي معتمداً على الكتب التي قرأتها، و كانت هذه هي المرة الأولى التي أحاور فيها غير المسلمين بهذه الطريقة و خاصة أنهم كانوا يحاولون ردِّي إلى النصرانية و لكنني احتفظت بهدوئي ، و فجأةً قال أحدهم: “ما الذي تحاول إثباته لنا؟”  فقلت لهم و بكل وضوح: “ليس هناك أدنى شك في أن الإسلام هو الدين الحق، و أن عيسي ليس بإله و إنما هو عبد الله و رسوله ” ، و هنا أحس الجميع بخيبة أملٍ كبيرةٍ و غادروا المكان على الفور ، و لم تحدث بعدها أية مناقشات بيننا و ذلك لأنهم قرروا عزلي تماماً عن لقاءاتهم و أنشطتهم ، و لذلك فقد قررت ترك سكني معهم و انتقلت إلى شقةٍ أخرى برفقة صديقٍ عزيزٍ بالنسبة لي و مسلم أيضا هو الأخ الفلبيني عبد السلام ، و لقد كنا و لله الحمد متفاهمين في كل شيء و كنا نذهب سوياً إلى المركز الإسلامي كل يوم لتعلم الدين الإسلامي .

 

الحلم الذي أصبح حقيقة

كان حلمي منذ اعتناقي للإسلام أن أجيد تلاوة القرآن الكريم و لكن ذلك كان صعباً لعدم معرفتي باللغة العربية و لأحكام التلاوة ، و لكن و بتوفيق الله سبحانه وتعالى اتفقت و صديقي عبد السلام مع أستاذ القرآن الكريم بمركز الدعوة الإسلامي – و كان مصرياً و يشكو من الظروف المادية الخانقة- على ما يحقق مصلحة الطرفين ، و ذلك بأن ينتقل للسكن معنا مجاناً في مقابل أن يعلمنا القرآن الكريم ، فوافق على ذلك و تحقق الشيء الذي طالما كنت أحلم به  و لله الحمد و المنَّة ، حيث كان يعلمنا القرآن الكريم يومياً بعد صلاة الفجر.

 

مقابلة الوالدَيْن في الفلبين

كنت أخطط لزيارة الفلبين في الإجازة ، و حدث وقتها أن دعاني الصديق عبد السلام لزيارة عائلته هناك و الذين دخلوا في الدين الإسلامي جميعاً ، و بعد وصولي إلى الفلبين التقيت بأبي و أمي و لم يكونا مسلمين  ، و حينما قابلت والدتي بدأت تلحظ عليّ بعض التغيير ، و من ذلك أنني لم أقم بالتعبير عن تقديري لهما كما علمنا القساوسة و ذلك بوضع أيديهم على جبيني ، و لكنني قمت بتقبيل جبين كل منهما ، ثم أخبرت والدتي بإسلامي و كان من الضروري أن أقول لها أيضا أنني لم أعد أتناول لحم الخنزير، و كانت هذه صدمة عظيمة لكل من أبي و أمي لأنهما أعدا لي وجبة خاصة من أضلاع لحم الخنزير و التي تعد من أفخر أنواع الأطعمة في الفلبين ،  و لكن و بسبب ثباتي على ديني و صلابة موقفي رضخ والداي لرغبتي و لم يقدما لي إلا طعاما حلالاً فقط .

و في الواقع أنني أثناء وجودي هناك حاولت مراراً دعوة أبي و أمي إلى الإسلام ، و لكن لأنني كنت حديث عهد بالإسلام لم أكن بعد داعيةً متمرساً ، وربما كان أسلوبي يتسم بالشدة و الميل إلى الجدال و هذا لا يجدي نفعا في مجال الدعوة الإسلامية ، و بعدها بدأت في إعطاء بعض الدروس الإسلامية لعائلة عبد السلام حين زيارتي لهم ، ونظراً لقرب موعد عودتي إلى السعودية اقترحت على عبد السلام أن ينتقل بعائلته إلى سكن مجاور للمركز الإسلامي في مانيلا (عاصمة الفلبين) ليتمكنوا من تعلّم الإسلام بشكل صحيح  في بيئة إسلامية ، وفي إحدى لقاءاتي بالأخ عبد السلام تحدثت معه عن موضوع الزواج فعرض علي الزواج من ابنته التي كانت ملتزمة بتعاليم الإسلام و مرتدية للحجاب الإسلامي ، فوافقت على ذلك على أن يتم الزفاف في السنة القادمة .

مناقشة أحد رجال الدين النصارى

كانت محاولات والدتي مستمرة لإعادتي إلى النصرانية ، و فعلاً و في إحدى المرات أحضرت لي أحد القساوسة ليناقشني حول الأديان وربما ليقنعني بعدم صحة الدين الإسلامي ، ثم و بعد جدال طويل لم يفلح هذا القسيس في إثبات صحة دينه النصراني لي أو حتي إقناعي بحجته , و لذلك أحضَرت والدتي قسيساً آخر و كان والدي يستمع لجدالنا بحرص شديد ، و شاهد والدي كذلك أن هذا القسيس لم يكن حظه بأفضل من سلفه فقرر الرحيل واعداً بأن يحضِر في المرة القادمة أحد أساتذته من كبار رجال الكنيسة ، ولكنه ذهب و لم يعد البتّة، و عندها أخذ والدي يمازح أمي قائلاً لها “يبدو أن ابنك أكثر علماً و معرفةً من القسيس الذي أحضرتيه” ،  عندها أحببت أن أشعر أمي بأنني أحترم مشاعرها و خاصة لأنها تكنّ لهذا القسيس و سابقه الكثير من التقدير و الإحترام فعلّقت قائلا “ربما كان عليه فقط أن يرتّب أفكاره بشكل أفضل و ربما يفعل ذلك في المرة القادمة.”

عمل جديد في أطهر بقعة

أسبغ الله عليّ نعمةً عظيمةً أخرى بعد إسلامي ، و هي حصولي على عمل جديد مهندساً مساعداً في إحدى الشركات في أطهر بقعة على وجه الأرض – المدينة المنورة – وفرحت فرحاً عظيماً بهذه النعمة و إن كان الراتب الشهري لهذه الوظيفة أقل بكثير من وظيفتي السابقة، و لم يكن ذلك له أي اعتبار عندي في ظل وجودي بجوار مسجد الرسول  – صلى الله عليه وسلم -.

وبعدها  بسنة واحدة ذهبت إلى الفلبين برفقة صديقي عبد السلام و هناك تزوجت من ابنته حسب اتفاقي معه، وحضر والدايَّ الزفاف و لله الحمد و المنة ، و لأن زواجي كان إسلامياً فقد كان بسيطاً و لم يستغرق وقتاً طويلاً ، و من الطريف أن جدتي لم يرُق لها ذلك فنادت بصوت عالٍ: “ما هذا؟  لم أرَ العروس برفقة عريسها كما هو  الحال في الأعراف النصرانية” ، فردّت عليها والدتي لتهدئتها قائلة: ” إنه  زفاف إسلامي ” ، و حمدت الله وقتها و شكرته على أن جعل والديَّ متفهمين لإسلامي ، و لهذا لم تحدث لي أي مشاكل معهم ، و بعد الزواج اصطحبت زوجتي إلى مدينة الرسول – صلى الله عليه و سلم – المدينة المنورة حيث استقرّيت بعد حصولي على العمل هناك ، و رزقنا الله طفلتين (صفا و مروة) ، و أحمد الله تعالى على هذه النعمة .

 

ويعيش صالح في سعادة و هناء و يمارس حياةً إسلامية ، و هو  يرحب بأي فرصة لتبادل وجهات النظر و خبرات الحياة مع الآخرين – من مسلمين و غير مسلمين ، ويمكن الإتصال به على بريده الإلكتروني  saleh_echon@hotmail.com

Back to Contents